الآلوسي

29

تفسير الآلوسي

أنه أمر عم المكلفين من أهل السماوات والأرض ، وإن حمل على الظاهر فوجهه أن ذلك جار مجرى الاستدراك للأمر بالتسبيح ، ولما كان من واد واحد كان كل منهما مؤكداً للآخر فدل على دوام وجوب الحمد في الأوقات ووجوب التسبيح على أهل السماوات والأرض ، وأما الدلالة على الوجوب فمن اتباع * ( سبحان الله ) * الخ ذكر الوعد والوعيد بالفاء فإنه يفهم تعين ذلك طريقاً للخلاص عن الدركات الوصول إلى الدرجات وما يتعين طريقاً لذلك كان واجباً كذا في " الكشف " . وذكر الإمام أن في هذا الاعتراض لطيفة وهو أن الله تعالى لما أمر العباد بالتسبيح كأنه قال جل وعلا : بين لهم أن تسبيحهم الله تعالى لنفعهم لا لنفع يعود إلى الله عز وجل فعليهم أن يحمدوا الله تعالى إذا سبحوه جل شأنه ، وهذا كما في قوله تعالى : * ( يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان ) * ( الحجرات : 17 ) . وجوز بعضهم كون * ( عشياً ) * معطوفاً على قوله تعالى : * ( في السماوات ) * ورد بأنه لا يعطف ظرف الزمان على المكان ولا عكسه ، وقيل : يحتمل أن يكون معطوفاً على مقدر أي وله الحمد في السماوات والأرض دائماً وعشياً على أنه تخصيص بعد تعميم والجملة اعتراضية أو حالية وهو كما ترى ، وتخصيص الأوقات المذكورة بالذكر لظهور آثار القدرة والعظمة والرحمة فيها ، وقدم الإمساء على الإصباح لتقدم الليل والظلمة ، وقدم العشي على الإظهار لأنه بالنسبة إلى الإظهار كالإمساء بالنسبة إلى الإصباح . وفي " البحر " قوبل بالعشي الإمساء وبالإظهار الإصباح لأن كلاً منهما يعقب بما قابله فالعشي يعقبه الإمساء والإصباح يعقبه الإظهار ، وقال العلامة أبو السعود : إن تقديم * ( عشياً ) * على * ( حين تظهرون ) * لمراعاة الفواصل وليس بذاك وذكر الإمام أنه قدم الإمساء على الإصباح ههنا وأخر في قوله تعالى : * ( سبحوه بكرة وأصيلاً ) * ( الأحزاب : 42 ) لأن أول الكلام ههنا ذكر الحشر والإعادة وكذا آخره والإمساء آخر فذكر الآخر أولاً لتذكر الآخرة ، وتغيير الأسلوب في * ( عشياً ) * لما أنه لا يجئ منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة ، ولعل السر في ذلك على ما قيل : إنه ليس من الأوقات التي تختلف فيها أحوال الناس وتتغير تغيراً ظاهراً مصححاً لوصفهم بالخروج عما قبلها والدخول فيها كالأوقات المذكورة فإن كلاً منها وقت يتغير فيه الأحوال تغيراً ظاهراً ، أما في المساء والصباح فظاهر . وأما في الظهيرة فلأنها وقت يعاد فيه التجرد عن الثياب للقيلولة كما مرت إليه الإشارة في سورة النور ، هذا وفضل التسبيح والتحميد أظهر من أن يستدل عليه ، وذكروا في فضل ما تضمنته الآية عدة أخبار ، فأخرج الإمام أحمد . وابن جرير . وابن المنذر : وابن أبي حاتم . وابن السني في عمل اليوم والليلة . والطبراني . وابن مردويه . والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ألا أخبركم لم سمى الله تعالى إبراهيم خليله الذي وفى لأنه يقول كلما أصبح وأمسى سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون " . وأخرج أبو داود ، والطبراني ، وابن السني ، وابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من قال حين يصبح سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون إلى قوله تعالى : وكذلك تخرجون أدرك ما فاته في يومه ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته من ليلته " إلى غير ذلك من الأخبار ، ولعل فيه تأييداً لكون * ( فسبحان ) * الخ مقولاً على ألسنة العباد فتأمل . وقرأ عكرمة * ( حينا تمسون وحينا تصبحون ) * بتنوين حين فالجملة صفة حذف منها العائد والتقدير تمسون فيه وتصبحون فيه ، وعلى قراءة الجمهور الجملة مضاف إليها